وهبة الزحيلي

250

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ أَلا : تنبيه ، أي تنبهوا ، أي إن خلق هذا العالم العلوي وأجرامه العظيمة من غالب قادر على الانتقام ممن عاداه ، ساتر لذنوب عباده بالمغفرة ، ولا أحد مثله في ذلك ، والجمع بين هاتين الصفتين للدلالة على أنه مع عزته وعظمته وكبريائه وكمال قدرته ، هو غفار عظيم الرحمة والفضل والإحسان ، يغفر لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه ، فإن الإخبار عن كونه عظيم القدرة يوجب الخوف والرهبة ، فأتبعه بوصف الْغَفَّارُ الذي يوجب كثرة الرحمة ، وكثرة الرحمة لا تعني الطمع من دون فعل ، وإنما توجب الرجاء والرغبة في طلب المغفرة بالعبادة والإخلاص له . والخلاصة : إن هذا التذييل للترغيب في العمل الموجب للمغفرة ، بعد الترهيب الموجب للحذر . ثم أتبعه بدليل آخر : الدليل الثاني وأقسامه من العالم السفلي : أ - خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ، ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها أي خلقكم أيها الناس على اختلاف أجناسكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة ، هي آدم عليه السلام ، ثم جعل من جنسها « 1 » زوجها ، وهي حواء ، ثم شعّب الخلق منهما ، كما قال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ، وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها ، وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [ النساء 4 / 1 ] وهذا الجزء من الدليل في عالم الأرض مشتمل كما هو واضح على أدلة ثلاثة . والمشهور في قوله : مِنْها أنه خلق حواء من ضلع آدم ، ولم يخلق سبحانه أنثى من ضلع رجل غيرها . ب - وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ أي وقضى لكم وقسم وخلق وأعطاكم من ظهور الأنعام ( وهي الإبل والبقر والضأن والمعز ) ثمانية أزواج من كل صنف ذكرا وأنثى ، كما قال تعالى :

--> ( 1 ) وهذا رأي الرازي .